في طرابزون

أعيش حالياً فترة العطلة الصيفية بعيداً عن الجامعة و الدوام ، و التي يكثر سؤالي فيها ” ليش مو ماخدة صيفي ؟”  السبب المنطقي و الذي أعلن به هو أن أخذي للصيفي لن يؤثر على سير الدراسة و قطع الساعات و لن يجعلني أتخرج بفترة أقل ، لكن لدي أساب أخرى أحياناً أعلن عنها و أخرى أبقيها لنفسي .

في العطلة الماضية كنت مهووسة بفكرة ما الذي سأنجزه هذه العطلة و شعوري بالنقص أني لست بالجامعة بالتالي عليّ التعويض بالكثير من الإنجازات خارجها و هذا الأمر  أرهقني ، حاوت أن أجعل هذه العطلة أكثر هدوءً بأن أسعد بتواجدي في المنزل و أن أسعد بالإنجازات اليومية الصغيرة  و أن أكتفي بالتعلم خارج نطاق الجامعة لأمور أحبها و أحسب أنها ستنفعني ، حسناً لا أريد أن تتحول هذه التدوينة للحديث عن العطلة 😛 . لكن وسط الهدوء النسبي لهذه  العطلة حظيت برحلة عائلية إلى طرابزون بحمد الله.

مما أحبه في عائلتي و أحمد الله عليه هو حبُّنا للرحلات و السفر ، مر الأمر بمسارات عديدة تارة يزيد و أخرى ينقص و أحياناً يختفي لكن هو موجود عموماً و لا نمانعه ، في العادة أكون أنا الشخص الذي يرغب في السفرة و لا أمل الحديث عنها و ” النق ” لأجلها لشهر أو يزيد 😛 لكن على العكس هذه المرة جاءت السفرة برغبة من والديّ و تخطيط و حماس منها ، قضينا في طرابزن – و هي مدينة في شمال تركيا – أسبوع لطيف مليء بالطبيعة و الجمال! ، توقفت خلال هذه الرحلة على عدّة أفكار و معاني أحب أن أشاركها و أدونها هنا 🙂

 

طرابزون 7

 

  • أرض الله الواسعة

تزامن اليوم الأول للرحلة مع بوست قرأته على  صفحة قطوف من الآسك لشخص يريد الإنتحار  يرد عليه …

“قرأت منشورًا لشاب على انستجرام يُدعى كاريج، سأل كاريج جدّته المسنّة: ما الذي يجعل حياتك هادئة وخالية من الضغط إلى هذا الحدّ؟ فأجابته: لقد عشت إحدى عشر حياة كاملة! ..وعندما سألها كيف؟! ، أجابته: “هناك أحداث في حياتي حوّلت فهمي لقيمة الحياة تمامًا! على سبيل المثال : ولادة أول طفل لي جعلتني أدرك أن حياتي صارت شيئاً مختلفاً ، صرت أفهم أكثر عن الحياة و طبيعتها .. كما أن الأحزان التي أصابتني جعلتني أقدّر قيمة كثير من الأشياء التي كنت أجهل قيمتها عندما كنت قليلة الخبرة بالحياة، اعتدت على تحمّل عبء حياتي بالكامل، وعشت في قلق عظيم من مصير حياتي وإلى أين تتجه بي، الآن: صرت أقل قلقًا، وأعيش حياتي في هدوء، لأنني أدركت أن الحياة نشاط أغنى من أن يتم القلق بشأنه إلى هذا الحد!” أ.هـ”

و هذا ما شعرت به هذه الرحلة ” الحياة نشاط أغنى من أن يتم القلق بشانه إلى هذا الحد ” بغض النظر عن ما يتصوره كل شخص منا عن طبيعة الحياة و قيمتها و ما يستحق القلق و ما لا يتسحق لأن الأمر يعود إلى ما يؤمن به الفرد بالنهاية  ، لكن يتيح السفر رؤية للحياة بأفق أوسع من الذي تعتقده ، فعندما تفكر بأن الجميع لديه نفس همومك و أن الحياة تجبرك على السير بطريقة معينة و أن همّك جعلك ترى الحياة بلون واحد رمادي ، ترى أن الحياة أوسع من هذا و أرحب وسط كل الأماكن التي وطأتها قدماي لأول مرة و قد تكون الأخيرة ، وسط  كل الناس الذين رأيتهم هناك باختلاف ألسنتهم و أشكالهم و همومهم  و شكل حياتهم ، وسط وسع البحر و جماله و تشابكات الأشجار و هدوء الغابات ، و سط بساطة الريف و زخم المدينة ، أفكر ما الذي يستحق حقاً القلق لأجله ؟

 

 

  • نحن في دنيا لا جنة

أكرر هذه الجملة كثيراً حتى أن أختي صدمتني مرة و هي ترد على أخي الصغير لإنزعاجه و تذمره  من أمر لا  أذكرة فتقول له ” إحنا مو بالجنة!” . في طرابزون الطبيعة بأبها أشكالها لدرجة لم أكن أتصورها  ! ماء  في كل مكان عذب و مالح في البحر و بين الجبال كماء جار أو شلالات أو بحيرات ، الأشجار و الغابات خضرة متشابكة لكثافتها و الأزهار تأسرك لتناسق ألوانها ، وسط كل هذا الجمال و الاندهاش و جملة أبي ” كيف رح تكون الجنة إزا هاي الدنيا ” … كان الجو متقلباً مما أفسد بعض الرحلات  مطر، شمس، ضباب ، رطوبة  … تذكرت حينها أن هذه الدنيا ناقصة لا تكتمل سبحان الله !

 

  • ” المكان حلو و القلب تعبان “

كانت هذه جملة لاجئة سورية تعيش هناك في قرية جبلية ، بادرت بلطفها للسلام علينا أخبرتها أنني أغبطها للعيش هنا فردت علي بهذه الجملة . أوافق على ما قالت فالنفس بطبيعتها و سويّتها و طريقة تفكيرها هي من ستتعامل مع المحيط  بالنهاية ، فهناك من تسعده جلسة بسيطة تحت شجرة في فناء المنزل ترفّه عنه و آخر قد لا تسعده رحلة طويلة عريضة لأجمل البلاد ، و يظن أن سعادته في التنقل من مكان لآخر و شراء كل ما تشتهيه نفسه و لا يعلم سعادة شخص سعد مع نفسه و فهمها و فهم غايته . لا أريد أن أكون مثالية بأن أقول أن السفر و الأمكان الجميلة ليست سبباً للسعادة لكن أقول أن الأولى أن يسعد الإنسان بنفسه ثم يصبح بعدها لأي مكان مهما كان طعم مختلف.

 

 

  • قيمة الحياة الدنيا 

أرسلت لي صديقتي زينب ليلة السفر  ” عموماً ، هاف فن  بالطائرة، تحديدا أول ما تطلع لإنو بتكوني شايفة الأضواء ، وتذكري قديه الدنيا صغيرة وزائلة ومؤقتة” ، شاكرة لها على هذه اللفتة التي جعلتني أفكر فيها فوق كل مكان مرتفع . في “تلفريك” ركبناه هناك يرتفع تدريجياً ، تصغر المباني و الناس شيئاً فشيئاً كلما اتجهنا للأعلى ، نصل لأعلى الجبل ،أنظر للأسفل تبدو الحياة ساكنة ، تلك التي تقلقنا و نجعلها أقصى أمانينا و تحولنا عبيد لها تبدو صغيرة ، ساكنة من الأعلى  ، يخسر الإنسان إن لم ينظر لها بمنظار الله في وحيه ، يشقى إن لم يأخذها على أنها دار بلاء و اختبار قصير أمام حياتنا الأبدية و مصيرنا هناك !

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ( سورة الملك :2 )

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (سورة يونس : 24)

 

  • حقيقة نفسك تظهر بالسفر

في أثر عن سيدنا عمر بن الخطاب

أن رجلًا أثنى على رجل عند عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال: صحبته في سفر؟ فقال: لا، قال: فأتمنته على شيء؟ قال: لا، قال: ويحك! لعلك رأيته يخفض ويرفع في المسجد.

كنت أعتقد أن في الأمر مبالغة حين يستشهد الناس بهذا الأثر عند السؤال عن شخص و مدى صلاحه و أفكر بأن مواقف الحياة كفيلة لمعرفة معدن الشخص ، لكن بعد هذه الرحلة تغير الأمر ، ربما لأنني كنت متنبهة للفكرة من البداية و أردت ان أتتبع كيف ستتعامل نفسي من المواقف المختلفة أو ما الجديد الذي سيظهر منّي …

كثرة المواقف المختلفة في السفر و تتابعها و الأحداث غير المتوقعة و التعامل مع أناس مختلفة -كوننا خرجنا مع مجموعة – باخلافاتنا و اتفاقاتنا  ستظهر لك شيئاً منك ! ، تبين لي هذه السفرة أنني أميل لأن أتجاوز عن الأمور غير المرغوبة و أن أسعد بما هو متاح و أن لدي طول نفس و صبر في مواقف الانتظار ، و من الأمور التي أحتاج العمل عليها تبين لي أنني أميل لاعطاء الإرشادات و القوانين بطريقة قد تزعج غيري و أنني أعتقد في كثير من الأحيان أن رأيي هو الصواب دون أن مراعاة وجهات النظر المخالفة

 

  • إلّا يعلمها 

تكررت هذه الآية كثيراً في خاطري هناك ” وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” ( سورة الأنعام :59 )

و سط مشاهد البر و البحر هناك ،و وسط غابة مشينا بين أشجارها و رزاذ المطر يتساقط و كم الأوراق المختلفة بأشكالها و ألوانها ، كلما سقطت ورقة تذكرت أن الله يعلمها و أنني في الأردن قد لا يخطر ببالي أن الله يعلم أن هذه الورقة في طرابزون ستسقط في هذه اللحظة، لا أعلم كيف يتولد هذا الشعور لكن هذه الفكرة مطمئنة و تشعرني بعظمة الله الذي يعلم هذه الورقة و يعلم ما في نفسي !

 

 


ختاماً ، لا أريد أن تصل من هذه المدونة فكرة التروييج للسفر باعتباره شيء أساسي في الحياة و أنك إن لم تسافر فقد فاتك الكثير و حياتك في بؤس ! لا ، بالنهاية كل هذه المعاني و التجارب و غيرها يستطيع أن يحياها أي شخص متيقِّظ على ما حوله سعيد مع نفسه  ! D:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فكرتان اثنتان على ”في طرابزون

  1. ” أنظر للأسفل تبدو الحياة ساكنة ، تلك التي تقلقنا و نجعلها أقصى أمانينا و تحولنا عبيد لها تبدو صغيرة ، ساكنة من الأعلى ، يخسر الإنسان إن لم ينظر لها بمنظار الله في وحيه ، يشقى إن لم يأخذها على أنها دار بلاء و اختبار قصير أمام حياتنا الأبدية و مصيرنا هناك !”

    لطالما شعرت بأن ما تكتبين له وقع خاص في قلبي :’)
    و كالعادة جعلتني أعيش مشاعر الرحلة و أنا جالسة على المكتب D:!
    أحببت الربط في هذه التدوينة كثيراً… شكراً ❤️

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s